الثلاثاء، 21 أبريل 2026

سيكولوجية الانكسار: لماذا يغازل العقل الجمعي "ظلال" المستبد؟

 

توطئة: في مديح القيد القديم

تبدأ الحكاية دائماً من لحظة "ارتباك" في الحاضر. حين تتعثر خطى المجتمعات الرجعية في التحول نحو الديمقراطية، أو حين تضرب الأزمات الاقتصادية بعنف، يرتد العقل الجمعي إلى الخلف في حركة لاإرادية، باحثاً عن "مركز ثقل" مفقود. هذه الحالة ليست مجرد حنين عاطفي لزمن جميل، بل هي ظاهرة سياسية واجتماعية تُعرف بـ "أوتوقراطية النوستالجيا". إنها محاولة للهرب من مسؤولية الحرية الثقيلة إلى كنف "الرجل القوي" الذي يختصر الوطن في شخصه، والمستقبل في قراره.

في هذا المقال، سنحاول تفكيك هذه الظاهرة، ليس بوصفها "مرضاً شرق أوسطياً"، بل كظاهرة إنسانية عالمية تحكمها قوانين الذاكرة، وقلق الوجود، وفشل الوعود السياسية.


المحطة الأولى: "أو ستالجي" (Ostalgie) وسراب الأمان الاجتماعي

لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون النظر إليها عبر عدسة عالمية تتجاوز الجغرافيا. في ألمانيا بعد سقوط الجدار، صكّ الباحثون مصطلح "Ostalgie" (مشتق من كلمة "Ost" وتعني شرق) لوصف حنين سكان ألمانيا الشرقية للحياة الشيوعية السابقة.

هؤلاء لم يكونوا يحنون لـ "جهاز الاستخبارات" (ستازي) أو تكميم الأفواه، بل كانوا يحنون لما أسموه "يقين العيش". في الأنظمة الديكتاتورية، هناك عقد اجتماعي غير مكتوب: "تنازل عن لسانك، وأعطيك رغيفاً ووظيفة مضمونة". عندما سقطت هذه الأنظمة، واجه الناس وحش الرأسمالية والمنافسة الشرسة والبطالة، فشعروا بـ "اليتم السياسي". هذا ما يفسر لماذا يرفع الروس اليوم صور ستالين في الميادين، ولماذا يترحم البعض في رومانيا على عهد تشاوشيسكو؛ إنها المقارنة الموجعة بين "ذل الحاجة" في ظل الحرية، و"عزة الكفاف" في ظل القمع.

المحطة الثانية: سيكولوجية "الرجل القوي" كحاجة بيولوجية

يذهب علم الاجتماع السياسي إلى أن الإنسان في لحظات الخطر يميل غريزياً إلى "التبسيط". الديمقراطية نظام معقد، يعتمد على المؤسسات، تداول السلطة، وبطء الإجراءات. أما الديكتاتورية فهي "السهل الممتنع" سياسياً؛ قائد واحد، عدو واحد، وحل واحد.

أدبياً، يمكن تشبيه العلاقة بين الشعب والديكتاتور بعلاقة "المريد بالشيخ" أو "الابن بالأب الصارم". هناك سكينة نفسية في إلقاء عبء التفكير والقرار على كاهل شخص آخر. المقالات الأجنبية التي تتناول "The Strongman Appeal" تؤكد أن الجماهير لا تنجذب للمستبد لأنه "شرير"، بل لأن صوته العالي يمنحهم وهماً بالسيطرة في عالم خارج عن السيطرة. إنها الرغبة في العودة إلى "حضن الأب" هرباً من "قسوة العالم" الذي يتطلب منا أن نقرر مصيرنا بأنفسنا.

المحطة الثالثة: الذاكرة الانتقائية وفخ "الاسترجاع الوردي"

لماذا ننسى السجون ونتذكر الشوارع النظيفة؟ يفسر علم النفس المعرفي ذلك بظاهرة "Rosy Retrospection". العقل البشري يعمل كـ "ممنتج" سينمائي محترف؛ يقص المشاهد المؤلمة ويحتفظ بالمشاهد التي تمنحه الراحة النفسية.

في منطقتنا، تلعب هذه الذاكرة دوراً خطيراً. يتم اختزال حقبة كاملة في "ثبات سعر الصرف" أو "هيبة الدولة"، مع تغييب كامل للثمن الباهظ الذي دُفع من كرامة الإنسان وتجريف المؤسسات. النوستالجيا هنا لا تخدم الحقيقة، بل تخدم "الهروب". نحن لا نحِنُّ للماضي كما كان، بل نحِنُّ لنسخة متخيلة منه، نسخة خالية من الوجع الذي جعلنا نثور عليه يوماً ما. إنها تماماً كحنين المريض لجسده قبل الجراحة، متناسياً أن الجراحة كانت حتمية لإنقاذ حياته من السرطان.

المحطة الرابعة: لعنة "السيولة" وفشل النخب الانتقالية

أحد أهم أسباب هذه الظاهرة هو ما يسميه عالم الاجتماع زيجمونت باومان "الحداثة السائلة". عندما لا يجد المواطن في "النظام الجديد" ما يسد رمقه أو يحفظ أمنه الشخصي، تتحول الحرية من "قيمة" إلى "عبء".

فشل النخب الديمقراطية في تقديم بديل اقتصادي سريع وملموس يجعل الناس ينظرون للماضي كـ "عصر ذهبي". وهذا ما يفسر صعود التيارات الشعبوية في الفلبين والبرازيل والمجر؛ حيث يتم استخدام "النوستالجيا" كسلاح سياسي للعودة إلى المربع الأول، مع إيهام الناس أن "الانضباط" هو الحل الوحيد للفوضى. الإنسان، حين يضطر للمفاضلة بين "صندوق الانتخاب" و"صندوق الطعام"، سيميل غالباً للأخير، خاصة إذا لم يتذوق طعم العدالة في الخيار الأول.

المحطة الخامسة: أزمة "المواطن المستلَب" في الأدب والفلسفة

إذا تأملنا فلسفة "سبينوزا" أو كتابات "إيتيان دي لا بويسييه" عن "العبودية الطوعية"، سنجد أن الإنسان قد يجد لذة في الخضوع إذا كان هذا الخضوع يعفيه من "قلق الحرية". الحرية يا صديقي ليست نزهة، بل هي "عبء" يتطلب وعياً ومسؤولية ومحاسبة مستمرة.

في الأدب، نجد هذا الحنين في الروايات التي تتحدث عن "الزعيم الملهم" الذي سقط، فيبقى الشعب تائهاً يبحث عن "ظله". الديكتاتورية تخلق شعوباً "معاقة سياسياً"، لا تستطيع المشي دون عكاز السلطة. وعندما ينكسر العكاز، يبدأ الصراخ طلباً لعودته، ليس حباً في الخشب، بل خوفاً من السقوط على الأرض.


الخاتمة: الخروج من زجاجة الماضي

إن الحنين للأنظمة الديكتاتورية هو في جوهره "أزمة ثقة في المستقبل". هي صرخة احتجاج ضد واقع مرتبك، وليست رغبة واعية في العيش تحت السياط مرة أخرى. الدرس الذي تعلمنا إياه التجارب العالمية من برلين إلى مانيلا ومن موسكو إلى القاهرة، هو أن "الأمان" الذي يوفره المستبد هو أمان مؤقت وهش، يشبه السكن في بيت مبني على رمال متحركة؛ يبدو ثابتاً وفخماً حتى تأتي أول عاصفة حقيقية.

الطريق إلى الأمام ليس بالبكاء على أطلال "المستبد العادل" -وهو كائن أسطوري لم يوجد قط في التاريخ- بل في بناء ديمقراطيات "لها أنياب"؛ تستطيع تأمين الخبز والكرامة معاً. لكي لا يضطر المواطن للمفاضلة بين معدته ولسانه، علينا أن ندرك أن الحرية بلا عدالة اجتماعية هي "تيه"، والعدالة بلا حرية هي "تسمين" قبل الذبح.

نحن لا نحتاج لـ "رجل قوي" يحكمنا، بل نحتاج لـ "قانون قوي" يحمينا جميعاً، حتى من أنفسنا وحنيننا القاتل لقيودنا القديمة.




قائمة المصادر والمراجع (للتوثيق البحثي):

  1. Dominic Boyer (2006): Ostalgie and the Politics of the Future in Eastern Germany.

  2. Zygmunt Bauman: Liquid Modernity - حول القلق الإنساني في العصر الحديث.

  3. Foreign Affairs Journal: دراسات حول "The Global Rise of Authoritarian Nostalgia".

  4. إيتيان دي لا بويسييه: مقالة في العبودية الطوعية (للبعد الفلسفي).

  5. أبحاث علم النفس السياسي: حول ظاهرة "Rosy Retrospection" وانحياز الذاكرة للماضي.

النهاية...





الجمعة، 17 أبريل 2026

قناة السويس وتاريخ العرق والدم




رؤى في ليل الزمان و حلم الفرعون

بينما كان الليل يسدل أستاره الثقيلة على وادي النيل، كانت مصر الغافية تحت عباءة التاريخ تحلم. لم يكن حلماً عابراً كأضغاث أحلام العابرين، بل كان رؤيا كونية انبثقت من وعي "سنوسرت الثالث"، ذلك الملك الذي كانت عيناه تنظران إلى ما وراء الأفق، حيث لا تنتهي الأرض عند حدود الرمال.

في ذلك الزمان السحيق، حيث كانت الأساطير تُكتب بمداد من نور النجوم، وقف الفرعون الشاب على حافة الصحراء الشرقية. كان يشعر بأنفاس البحر الأحمر الساخنة تناجي برودة مياه النيل العذبة، كعاشقين فصلت بينهما يد القضاء بقفرٍ لا يرحم. هناك، في "رؤى في ليل الزمن"، لم يرى سنوسرت مجرد قناة مائية، بل رأى "الارتباط المقدس". رأى أن قدر هذه الأرض ليس في الانعزال، بل في أن تكون هي العقدة التي تربط أوصال العالم.

كان الليل في "طيبة" طويلاً وثقيلًا، لكن بصيرة الملك كانت تخترق حُجب الغيب. تخيل الفؤوس وهي تضرب في قلب الأرض، لا لتهدم بل لتبني جسراً من الماء. أراد أن يطوع الطبيعة القاسية، أن يجعل النيل يمد ذراعه ليصافح البحر، في عناق أزلي يكسر وحشة التيه. لم تكن "سيزوستريس" مجرد مشروع هندسي، بل كانت تجلياً لروح مصرية تأبى إلا أن تترك بصمتها على وجه الخدر.

لكن يا للمأساة! فالحلم الذي وُلد كبيراً كان يحمل في طياته بذور الوجع الذي سيمتد لآلاف السنين. فكلما حاول المصريون شق صدور الرمال، كانت الرمال تعود لتطبق على أنفاسهم، وكأن الأرض تغار على سرها المكنون. كان سنوسرت يدرك في قرارة نفسه أن هذا الطريق الذي رسمه بيده، سيتحول يوماً ما إلى "دربٍ للآلام"، وأن كل قطرة ماء ستجري في هذا المجرى سيسبقها بحر من عرق الجباه السمراء.

هكذا كانت البداية.. رؤيا في ليل الزمان، طيف ملكي يطارد المستحيل، ونبوءة صامتة تقول إن هذه الأرض مقدّر لها أن تُفتح بسكين القدر، لتنبت للعالم شرياناً، وللمصريين تاريخاً مبللاً بالدموع والخلود. كانت فكرة سنوسرت هي "الخطيئة الجميلة" التي ورثتها الأجيال، تلك التي جعلت من الجغرافيا قدراً، ومن التاريخ ملحمةً لا تنتهي فصولها إلا بصرخة السيادة.

دارت عجلة الزمن دورةً قاسية، واستيقظ العالم على ضجيج المدافع وهدير المصانع في القارة العجوز. لم تعدل البحار مجرد مساحات للصيد، بل صارت ساحاتٍ للمبارزة بين ممالك الإستعمار الحديثة تلك الممالك التي تذوقت  طعم الدم في بلاد الشرق البعيدة. وفي قلب هذا الصراع، برز طيف "نابليون بونابرت"، ذلك القائد الذي حمل في جعبته مدافع الثورة وأحلام الإسكندر الأكبر.

حين وطئت قدما "بونابرت" رمال الإسكندرية، لم يكن يرى تحت سنابك خيله مجرد ولاية عثمانية منهكة، بل كان يرى "البرزخ" الذي سيكسر به شوكة الإنجليز في الهند. في خيمته، وبينما كان علماء حملته ينقبون في أحشاء الأرض، نادى نابليون ببعث حلم سنوسرت من مرقده. أراد أن يضرب بالفأس في خاصرة الصحراء ليشق طريقاً يختصر المسافات ويجعل من فرنسا سيدة البحار بلا منازع.

لكن القدر كان يخبئ للمغامر الفرنسي درساً قاسياً؛ فقد خانته لغة الأرقام قبل أن تخونه شجاعة جنوده. وقف مهندسه "لوبير" ليعلن بلهجة الواثق أن مستوى البحر الأحمر يعلو المتوسط بذرائع، مما يجعل شق القناة نذيراً بغرق الدلتا في طوفان مالح. تراجع نابليون، وانطفأ الحلم الفرنسي مؤقتاً تحت وطأة الخوف من غضب الطبيعة، لكن الفكرة كانت قد غُرست كالخنجر في عقل الاستعمار العالمي.

كانت الممالك الاستعمارية في ذلك الحين تتشكل كوحوشٍ أسطورية تتسابق على تقطيع أوصال "العالم الثالث". صارت مصر في نظرهم ليست وطناً لأهله، بل "نقطة ارتكاز" على خريطة المصالح. صعدت بريطانيا كعجوزٍ شمطاء تراقب من بعيد، وتتحين الفرص لتنقض على "الممر" الذي لم يُحفر بعد، مدركةً أن من يملك مفتاح السويس، يملك رقبة العالم التجاري.

وهكذا، تحول "الحلم" الذي بدأ عند الفراعنة كطموح وطني، إلى "لعنة جغرافية" في عصر الاستعمار. صارت القناة في خيال القوى العظمى مجرد "خندق" يُحفر بأيدي العبيد ليخدم أسياد البحار. ومن رحم هذا النهم الاستعماري، وصعود فكرة "المركزية الأوروبية" التي ترى في بلادنا مجرد مسرح لمغامراتها، ولدت اللحظة المشؤومة التي مهدت لظهور سماسرة الأحلام وحبال الإذعان.


سماسرة الأحلام وملحمة الفؤوس والأكفان


دخل "فرديناند ديليسبس" ساحة التاريخ المصري لا كمهندس، بل كقناصِ فرصٍ محترف، يرتدي قناع الصداقة القديمة مع "محمد سعيد باشا". وفي غفلة من الزمن، وفي مشهدٍ تراجيدي، وُقع "عقد الامتياز" الذي منح الشركة العالمية للقناة الحق في استغلال الأرض والإنسان لمدة تسعة وتسعين عاماً. لم تكن الورقة التي وُقعت مجرد حبر، بل كانت "حبال إذعان" لُفت حول عنق الدولة المصرية؛ حيث نصت الشروط على أن تُقدم مصر أربعة أخماس العمالة (80%) من "الأنفار" مجاناً تحت نظام السخرة الكريه.

بدأ العمل في الخامس والعشرين من أبريل عام 1859، ومع أول ضربة فأس في رمال "بورسعيد"، انفتحت بوابة الجحيم على الفلاح المصري. سُيق الرجال من أقصى الصعيد والدلتا، يُربطون في سلاسل كما تُساق القطعان، ليواجهوا قدراً لم يختاروه. تشير التقديرات التاريخية الرصينة إلى أن عدد العمال الذين شاركوا في الحفر بلغ قرابة مليون ونصف مليون مصري، وهو رقم مهول إذا علمنا أن تعداد سكان مصر حينها لم يتجاوز الخمسة ملايين!

كانت اليوميات هناك قصيدة من الألم والجوع؛ فالفلاح لم يكن يملك سوى "المقطف" وظفره ليشُق به صخر "الشلوفة" وعرار "الجسر". كان نصيب العامل اليومي من الماء لا يتجاوز لتراً واحداً في هجير الصحراء الذي تلامس فيه الحرارة الخمسين درجة، أما "الجراية" (الخبز) فكانت يابسة كمصيرهم.

وتحت وطأة الزحام والقذارة، انقضت الكوليرا و"التيفود" على المعسكرات كوحوش ضارية. تقول الأرقام الرسمية إن الوفيات بلغت مائة وعشرين ألف شهيد، لكن الذاكرة الشعبية والتقارير الموازية تؤكد أن الرقم قد يتجاوز ذلك بكثير؛ فكل متر من المجرى الملاحي الذي نراه اليوم، يرققد تحت عمقه "جسد مصري" لم يُدفن في كفن، بل واراه التراب في موقعه بملابسه المهلهلة وفأسه المنكسر.

لقد بلغت كمية الأتربة التي رُفعت يدوياً قرابة 74 مليون متر مكعب، قبل أن تدخل الآلات البخارية في المراحل الأخيرة لتداري عجز الأجساد التي نُحلت. كانت القناة تبتلع الرجال كما تبتلع الرمال، والشركة في باريس تحصي الأرباح بينما الأمهات في ريف مصر يحصين الغائبين.

وهكذا، تشكل المجرى لا بالماء المالح، بل بملوحة عرق الجباه السمراء. وحين اقتربت لحظة النهاية، كان الممر قد اكتمل، لكنه كان ممراً معبداً بالجماجم، ليكون "تاريخ العرق والدم" حقيقة مادية لا مجرد استعارة أدبية،  شاهدة على أعظم جريمة استعمارية نُفذت تحت ستار "الحضارة والتقدم".

على رمال السويس، لم يكن الصمت سكوناً، بل كان ضجيجاً مكتوماً لآلاف الأنفاس التي تقطعت تحت وطأة الجوع والقهر. تخيل يا رعاك الله، ذلك الفلاح "المصري" الذي انتُزع من حضن قريته الوديعة، من سمراء طينه وخضرة حقله، ليجد نفسه في العراء الأكبر، يواجه شمساً لا ترحم وصحراء لا تعرف الارتواء.

كان المشهد تراجيدياً يليق بملحمة إغريقية، لكن أبطاله كانوا بسطاء الأرض. آلاف الأجساد التي انحنت حتى تشكلت على هيئة أقواس من الألم، تضرب بالفؤوس في جوف الأرض، لا بحثاً عن كنز، بل هرباً من سوط "الخولي" الذي كان يلهب الظهور بغير انقطاع. كانت الأظافر تدمى وهي تنبش الصخر، والصدور تضيق بغبار الرمال الناعم الذي استقر في الرئات كزجاج مطحون.

وحين حلّت الكوليرا، لم تكن مجرد مرض، بل كانت "عزرائيل" الذي نصب خيمته فوق المجرى. كان الفلاح يرى زميله، ورفيق فأسِه، يسقط بجواره في صمتٍ مريب؛ لا صراخ، لا عويل، فقط نظرة أخيرة منكسرة نحو السماء، ثم جسد يرتجف قبل أن يستسلم للتراب. لم يكن هناك وقت للجنائز، ولا متسع للبكاء؛ فالموت كان أسرع من الفؤوس، والأجساد الهامدة كانت توارى في جوف المجرى ذاته، لتصبح هي "الأساس" الذي قام عليه البنيان.

مائة وعشرون ألف روح.. تخيل هذا الطابور الطويل من الأشباح! لو وقفوا جنباً إلى جنب لغطوا مساحة القناة مراراً. كانوا يموتون وهم يحلمون بجرعة ماء عذبة من نيلهم البعيد، بينما يحيط بهم الماء المالح من كل جانب كالسخرية المرة. ماتوا وهم لا يدركون أن هذا الشق الذي يفتحونه في صدر بلادهم، سيمر فوقه يوماً ما ملوك وأباطرة يرتدون الحرير، بينما تظل عظامهم هم نائمة في القاع، منسية تحت أقدام التاريخ.

كانت رائحة الموت في السويس تزكم الأنوف، لكن رائحة "العرق" كانت هي التي كتبت الخلود. لقد تحول الفلاح المصري في تلك السنين العجاف إلى "قربان" قُدم على مذبح التجارة العالمية. لم تكن القناة مجرد مجرى مائي، بل كانت "مقبرة جماعية" ممتدة على طول مائة وستين كيلومتراً، حيث تحجرت الدموع في العيون قبل أن تسيل، واستحالت الآهات إلى ذرات ملحٍ تلسع جراح القادمين.

هنا، وفي هذا الركن المظلم من الذاكرة، ندرك أن "قناة السويس" ليست إنجازاً هندسياً فرنسياً، بل هي "شهادة وفاة" جماعية لشعبٍ حفر قبره بيده ليعيش العالم من بعده، وهي السيرة التي تهمس بها الرياح كلما مرت فوق مياه القناة: "هنا مرّت الفؤوس.. وهنا استقرت الأكفان".

وجاء تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1869، ليعلن للكون أن الشق قد اكتمل، وأن البحرين قد تعانقا أخيراً فوق أجسادٍ لم يهدأ رنين فؤوسها إلا بالموت. كان المشهد في "بورسعيد" سريالياً، يقطر بذخاً يُخفي تحت طياته رائحة الدم، ويضج بالضحكات التي كانت تعلو فوق أنين الأرواح الهائمة في القاع.

وعلى تلك المنصات المهيبة التي شُيدت لاستقبال أباطرة أوروبا، وقف الخديوي "إسماعيل" مزهوًّا ببدلته المرصعة بالنياشين، والملكة "أوجيني" تتهادى في ثوبها الأسطوري كأنها آلهة من زمن الغابرين. كانت الأوركسترا تعزف ألحاناً أوبرالية صاخبة، والمدافع تطلق قذائف الفرح، والخمور تتدفق في كؤوس الكريستال.. لكن يا للهول! لو أن هؤلاء الضيوف نظروا قليلاً تحت بريق الماء المنساب، لرأوا حقيقةً أخرى ترتجف لها الأبدان.

لقد كان حفل الافتتاح "رقصةً فوق القبور".

كل سفينة كانت تعبر المجرى في ذلك اليوم، لم تكن تمخر عباب الماء، بل كانت تجري فوق صدور مئة وعشرين ألف فلاح. كانت الصواري ترتفع بينما القامات التي حفرت القناة قد انحنت حتى تلاشت في الطين. كان بريق "الماس" على صدور الأميرات يستمد لمعانه من "ملح" العرق الذي جف على جلود الكادحين. والمفارقة المرة أن هؤلاء الذين دفعوا ثمن القناة من دمائهم، لم يكن لهم مكان في "المقصورة الملكية"؛ بل وقفوا بعيداً، أشباحاً سمراء بملابس بالية، يراقبون من خلف الأسوار ثمرة شقائهم وهي تُهدى للعالم على طبق من ذهب.

أضاءت الألعاب النارية سماء القناة، فبدت ذرات الرمل وكأنها شرارات من جحيم السخرة الذي انقضى. كان "إسماعيل" يبتسم للعدسات وللتاريخ، والديون تلتف حول عنقه كأفعى صامتة، بينما كان "ديليسبس" يختال كأنه الخالق لهذا المعجز، متناسياً أن المعجزة الحقيقية لم تكن في التصميم الفرنسي، بل في "الإرادة المصرية" التي صمدت أمام الجوع والوباء.

انتهى الحفل، ورحل الأباطرة، وبقيت الأضواء الباهتة تخبو شيئاً فشيئاً، لتكشف عن المأساة العارية: قناةٌ عالمية مبهجة، تحفُّها صحراء موحشة تسكنها أرواح الفلاحين. كان الافتتاح هو الستار الحريري الذي أُسدل على مسرح الجريمة، لتبدأ من بعدها فصول "الديون" و"الاحتلال"، وكأن القناة التي فُتحت لتكون باباً للرزق، صارت هي الثغرة التي نفذ منها الاستعمار لينهش جسد الوطن الذي نزف حتى جفّت عروقه.

كانت السفن تعبر، والمياه تصفق، لكن في سكون الليل، كان بوسع من يرهف السمع أن يسمع صوتاً قادماً  من الأعماق، صوتاً يشبه حفيف الرمال، يهمس بمرارة: "لقد عبرتم.. ولكننا نحن الذين حفرنا".

لم تكن أضواء حفل الافتتاح قد خبت بعد، حتى بدأت كوابيس الديون تطارد "إسماعيل" في قصوره المنيفة. كانت القناة قد فُتحت للعالم، لكنها أغلقت أبواب الأمل في وجه الخزانة المصرية؛ فقد استيقظت الدولة على واقعٍ مرير: القناة التي حُفرت بالدم، أصبحت هي الحبل الذي يلتف حول عنق السيادة.

كان المشهد الدرامي يتجسد في "صندوق الدين" الذي فُرض على مصر، حيث تحول القناصل الأجانب إلى نظّارٍ يحصون أنفاس الخديوي ومصاريف بيته. وفي لحظة يأسٍ تراجيدية عام 1875، وتحت ضغط الدائنين الذين لا يرحمون، اضطر إسماعيل لبيع "درة التاج"؛ نصيب مصر من أسهم القناة (176,602 سهم) لبريطانيا مقابل مبلغ زهيد لم يتجاوز 4 ملايين جنيه إسترليني.

كانت هذه هي "الخطيئة الكبرى" التي جعلت بريطانيا، التي عارضت الحفر بالأمس، تصبح الشريك الأكبر اليوم. ولم يكتفِ "المرابون" الدوليون بذلك، بل فُرضت "الرقابة الثنائية" (الإنجليزية والفرنسية) على مالية مصر، ليصبح الوزير الأجنبي هو الحاكم الحقيقي، ويتحول الخديوي إلى مجرد ظِلٍ في مملكته.

ومع تصاعد الغضب الشعبي واندلاع الثورة العرابية، وجدت بريطانيا ضالتها. كان "عرابي" يمثل صرخة الفلاحين الذين مات آباؤهم في الحفر، لكن "ديليسبس" الذي وعد عرابي بحياد القناة، خانه في وضح النهار؛ فتح المجرى للسفن الحربية الإنجليزية، لتعبر فوق أجساد الشهداء مرة أخرى، وتدخل مصر من "الباب الذي حفرته بأيديها".

بدأ الاحتلال البريطاني عام 1882، واستحالت القناة إلى "دولة داخل الدولة". كانت الشركة العالمية لقناة السويس تُدار من باريس ولندن، وكأنها إقطاعية خاصة لا تخضع لقانون مصري. كان العلم البريطاني يرفرف فوق ضفافها، وجنود الإمبراطورية يحرسون بواباتها، بينما كان المصري "صاحب الأرض" يُعامل كالغريب على ضفاف مجراه.

لقد تحولت القناة من شريان للحياة إلى "ثكنة عسكرية" ومصدر للأرباح التي تتدفق إلى جيوب المساهمين في أوروبا، بينما لم تكن تنال مصر من ريعها سوى الفتات، بل حتى الـ 15% من الأرباح التي كانت مقررة لمصر، تنازل عنها "توفيق" لسداد الديون.

عاشت مصر عقوداً من "المذلة الجغرافية"، حيث يرى المصري السفن العملاقة تمر بسلام وهي تحمل خيرات الشرق والغرب، بينما هو يقف على الشاطئ يلملم بقايا كرامته الجريحة، مدركاً أن المجرى الذي سُقي بدم أبيه، قد صار سجناً كبيراً يحرسه السجان الأجنبي. كانت هذه هي سنوات "التيه"، حيث ضاعت القناة في دهاليز السياسة الاستعمارية، وبقيت الروح المصرية تنتظر "اللحظة" التي يسترد فيها الحق المسلوب، وتعود فيها "الجغرافيا" لتعانق "الوطن" من جديد.

بعث الروح المصرية من جديد

ومع انتصاف القرن العشرين، كانت الروح المصرية قد بلغت مداها من الصبر، وبدأت ملامح فجرٍ جديد تلوح فوق ربا الوادي. لم يعد الفلاح الذي حُفرت القناة على جثث أجداده يقبل أن يظل متفرجاً على ضفاف مجراه، فاندلعت ثورة يوليو 1952 كالإعصار، حاملةً معها أحلاماً بحجم النيل، وإرادةً ترفض أن تكون "تصاريف القدر" بيد الأجنبي.

كان "جمال عبد الناصر" يدرك أن الاستقلال الحقيقي ليس مجرد علمٍ يُرفع أو نشيدٍ يُعزف، بل هو "سيادة" تبدأ من خروج آخر جندي بريطاني من قاعدة القناة. وفي يونيو 1956، تحقق الحلم المستحيل؛ رحل الإنجليز عن القناة بعد احتلالٍ دام أربعة وسبعين عاماً، ووقف المصريون يرقبون سحب الدخان وهي تتصاعد من قلاع المحتل الراحل، لكن الفرحة لم تكن لتكتمل إلا بملحمة أخرى تليق بعظمة هذا الشعب.

كانت عيون "ناصر" تتطلع إلى الجنوب، نحو أسوان، حيث يكمن حلم "السد العالي". لم يكن السد مجرد بناء من جرانيت، بل كان يمثل صرخة "البعث المصري"؛ فهو الذي سيحمي الأرض من غدر الفيضان، ويمنح النور للقرى المظلمة، ويخلق نهضةً صناعية تُعيد للمصري كرامته. كان السد هو "قناة سويس ثانية"، ولكنها هذه المرة بأيدٍ مصرية ولأهدافٍ مصرية خالصاً.

ولكن، وكأن التاريخ يصرُّ على أن يدفع المصري ثمن أحلامه مراراً، بدأت المؤمرات تُنسج في الخفاء. وحين رفض البنك الدولي بضغطٍ من واشنطن ولندن تمويل السد، ظناً منهم أنهم سيكسرون إرادة "الرجل الأسمر" ويجبرونه على العودة إلى حظيرة التبعية، كانت الصدمة التي لم يتوقعها أحد.

كان الغرب ينظر إلى "القناة" كبقرة حلوب، وإلى "السد" كأداة للضغط، ولم يدركوا أن في عقل ناصر كانت تدور معادلة كيميائية ثورية: "القناة تساوي السد". فإذا كانت القناة قد حُفرت بعرق المصريين، فمن حق عوائدها أن تبني مستقبلهم. كانت اللحظة درامية بامتياز؛ فبينما كان العالم يظن أن مصر ستنحني أمام حصار المال، كان القرار قد اتُّخذ في الغرف المغلقة، قراراً سيعيد ترتيب خرائط القوى في الكوكب بأسره.

وهكذا، تشابك قدر القناة بقدر السد؛ فالمجرى الذي كان رمزاً للسخرة والعبودية، سيتحول بضربة قدرٍ واحدة إلى المموّل الأول لحلم السيادة. كانت مصر على موعدٍ مع التاريخ، وكان "ناصر" يتحين اللحظة في ميدان المنشية ليطلق الكلمة التي ستجعل الأرض تهتز تحت أقدام المستعمرين القدامى، وتعلن نهاية عصر "سماسرة الأحلام" وبداية عصر "أصحاب الحق".

أحلام ناصر وفجر التأميم. 

كانت الأجواء في واشنطن تموزيةً خانقة، لكن البرودة التي سكنت مكتب "جون فوستر دالاس"، وزير الخارجية الأمريكي، كانت تنذر بالعاصفة. لم يكن السد العالي في نظر الغرب مجرد مشروعٍ للتنمية، بل كان "جزرة" تُلوح بها القوى العظمى لترويض ناصر، وحين رفض الأخير الدخول في أحلافهم العسكرية وأصر على شراء السلاح من المعسكر الشرقي لكسر احتكار القوة، قرر "دالاس" أن يلقنه درساً في التبعية.

في كواليس ذلك اليوم المشؤوم، كان السفير المصري "أحمد حسين" يدخل مقر الخارجية الأمريكية، يحمل أملاً في إتمام اتفاق التمويل. لكنه لم يجد أمامه سوى وجهٍ متحجر، ولهجةٍ تقطر استعلاءً. سحب "دالاس" عرض التمويل بفظاظة، مبرراً ذلك بـ "ضعف الاقتصاد المصري"، وهي كذبة كانت تهدف إلى إهدار كرامة الدولة قبل إفلاسها. لم يكن الرفض اقتصادياً، بل كان "إعداماً سياسياً" لمشروع النهضة المصرية، ومحاولةً لإعادة مصر إلى بيت الطاعة الاستعماري عبر بوابة الجوع.

طار الخبر إلى "ناصر" الذي كان في طريق عودته من "بريوني" بعد لقاء قادة عدم الانحياز. في تلك اللحظة، وسط سحب الدخان في طائرته، لم يشعر ناصر بالهزيمة، بل شعر بـ "التحرر". أدرك أن القيد الذي كبل مصر لم يكن الديون، بل هو الخوف من "الشركة العالمية لقناة السويس"؛ تلك الدولة التي تعيش في قلب الدولة، وتسرق عرق القناة لتمول بنوك لندن وباريس بينما يموت المصريون عطشاً للسد.

كلمة السر: "ديليسبس" وتراجيديا الميدان

وفي الإسكندرية، عروس البحر التي كانت تتهيأ للاحتفال بعيد الثورة الرابع، كان "ناصر" يخط قصة التأميم بمدادٍ من التحدي. كانت الكواليس في قصر "رأس التين" تضج بالحركة الصامتة؛ مجموعة صغيرة جداً من الضباط والمهندسين يعكفون على وضع خطة السيطرة على مكاتب الشركة في الإسماعيلية وبورسعيد والسويس. كانت "الخطة 110" هي سر الدولة الأكبر، والتعليمات واضحة: "بمجرد سماع كلمة (ديليسبس) في الخطاب، ابدأوا التنفيذ".

جاء مساء 26 يوليو 1956، ووقف ناصر في "ميدان المنشية" أمام الحشود التي كانت تهتف بالفطرة، دون أن تدري أنها على وشك سماع "إعلان استقلالٍ ثانٍ". كان ناصر يخطب بحرارة، يسرد تاريخ المأساة، تاريخ المئة وعشرين ألف شهيد، تاريخ السخرة والديون. كان صوته يتهدج بالغضب حين ذكر "دالاس" وغطرسته، ثم بدأت الكلمات تقترب من اللحظة الحاسمة.

"إننا لا يمكن أن نسمح أبداً أن تُبنى القناة وتُحفر على جثث أبنائنا، ثم تذهب أرباحها لغيرنا".. وهنا، نطق ناصر بالاسم المشؤوم: "فرديناند ديليسبس".

كانت الكلمة في أذن المهندس "محمود يونس" ورجاله بمثابة "صيحة البعث". وفي تلك اللحظة التي كان فيها العالم يستمع لخطابٍ سياسي، كان الرجال يقتحمون مكاتب الشركة العالمية بصدورٍ عامرة بالإيمان. لم يكن اقتحاماً بالسلاح، بل كان استرداداً لصك الملكية. دخلوا القاعات الفخمة التي كان يمنع على المصري دخولها إلا خادماً، ورفعوا العلم المصري فوق المكاتب التي كانت تُدار بعقلية الاستعمار.

المواجهة الكبرى: حين استرد الصمت صوته

على شاشة التاريخ، كان المشهد درامياً لدرجة الذهول. ناصر يضحك بمرارة في الميكروفون وهو يقول: "تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية". ساد صمتٌ قصير في الميدان، صمتٌ يشبه الشهقة التي تسبق البكاء، ثم انفجر الميدان، وانفجرت معه مصر كلها في موجة من الفرح الهستيري. لم تكن فرحةً بمال، بل كانت فرحة بـ "الكرامة" التي جُرحت على يد "دالاس" قبل أيام.

في لندن، استيقظ "أنتوني إيدن" على وقع الكابوس، وفي باريس ساد الذعر. لقد تجرأ "العقيد" واغتصب حقاً ظنوه أبدياً. بدأت طبول الحرب تُقرع، وبدأ التخطيط للعدوان الثلاثي، لكن الروح التي خرجت من قمقمها في المنشية لم تكن لتعود أبداً.

لقد أثبت ناصر في تلك الكواليس أن "الجغرافيا" حين يملكها أصحابها، تتحول إلى سلاحٍ أمضى من القنابل. كانت القناة في ذلك المساء قد استعادت هويتها؛ لم تعد "القناة الفرنسية" ولا "الممر البريطاني"، بل صارت "قناة السويس" بلسانٍ عربي وقلبٍ مصري. وبدأت عوائد "العرق والدم" تتدفق أخيراً في شرايين "السد العالي"، لتُبنى الصروح فوق الصروح، وتُغسل جراح الفلاحين الذين ماتوا في الحفر بماء السيادة الذي جرى لأول مرة في مجراه الصحيح.

كان التأميم هو "الفصل الأخير" في رواية الظلم، و"المقدمة" في ملحمة التحرر، حيث تحول المجرى المائي من مقبرة للأجساد إلى مبعثٍ للأمة، ومن تاريخٍ كُتب بالدموع إلى مستقبلٍ يُصان بالبارود والإرادة.


النهاية... 



الجمعة، 3 أكتوبر 2025

عندما يصبح التاريخ مُسَيَّساً: كيث وايتلام يكشف اختراع الدولة القومية في فلسطين القديمة

 

المدخل: صراع الروايات وتهميش الأصل

في كل صراع سياسي عويص، غالباً ما تكون ساحة المعركة الحقيقية هي التاريخ. فليست القضية دائماً مجرد اقتسام الأرض، بل هي في الأساس صراع الروايات على أحقية الماضي وشرعية الوجود. ضمن هذا السياق المعرفي المضطرب، يبرز كتاب "اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني" (1996) للأكاديمي البريطاني كيث وايتلام كوثيقة نقدية تفكيكية من الدرجة الأولى. لا يقدم وايتلام هنا سرداً جديداً لأحداث الماضي، بل يوجه عدسة مكبرة نحو منهج كتابة هذا التاريخ، كاشفاً عن تحيزات عميقة ومستترة في صلب الدراسات التوراتية الغربية. فقد جزم وايتلام بأن هذه المدرسة الأكاديمية لم تكن حيادية، بل شاركت فعلياً في عملية "اختراع" نموذج مصطنع لإسرائيل القديمة على هيئة الدولة القومية الحديثة، وهو اختراع أسفرت نتائجه الجانبية عن إقصاء منهجي للتاريخ الفلسطيني القديم برمته. وهو ما دفع المفكر الراحل إدوارد سعيد إلى وصفه بأنه "عمل أكاديمي من الطراز الأول"، مؤكداً بذلك على أهميته ليس فقط في حقل الدراسات الدينية، بل في كشف العلاقة المعقدة بين السلطة، والمعرفة، والاستعمار. تهدف هذه المقالة إلى تحليل الأطروحة المركزية لوايتلام، لبيان كيف تحول البحث عن ماضٍ مزعوم إلى أداة لإنكار حاضر حقيقي


مأزق الأكاديميا الغربية: ولادة "إسرائيل القومية"

ينتقل وايتلام بالقارئ إلى قلب التحليل المنهجي، حيث يكشف كيف أن هيمنة الدراسات التوراتية في أوروبا وأمريكا الشمالية لم تكن مجرد مدرسة تفسيرية، بل كانت عملية اختراع ممنهج لتاريخ يخدم رواية معينة. يجادل الكتاب بأن الباحثين الغربيين، مدفوعين بالإرث اللاهوتي والروح القومية التي سادت أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين، قاموا بإسقاط نموذج الدولة القومية الحديثة على المنطقة القديمة. هذا الإسقاط خلق كياناً مُتخيلاً هو "إسرائيل القديمة"؛ دولة موحدة مركزية، ذات حدود واضحة وعاصمة مهيمنة (القدس)، وهو تصور يشبه تماماً الدول التي كانت تبنى في الغرب.

هذا التحيز يكمن في الافتراض المسبق بأن النص التوراتي هو المرجعية الأساسية والوحيدة للبحث التاريخي في فلسطين القديمة. وبدلاً من أن يكون علم الآثار دليلاً مستقلاً، أصبح خادماً للرواية التوراتية، حيث تُفسَّر الاكتشافات الأثرية—حتى الصامتة منها أو المتناقضة—بشكل قسري لتؤكد أحداثاً وشخصيات مذكورة في الكتاب المقدس. في هذا الإطار، يرى وايتلام أن هذه العملية لم تكن سوى امتداد لـ الخطاب الاستشراقي الذي حلله إدوارد سعيد، حيث يُجرَّد السكان الأصليون للمنطقة من حقهم في تفسير ماضيهم أو حتى امتلاك تاريخ خاص بهم، ليصبح تاريخهم تحت رحمة التفسيرات الغربية الموجهة. لقد أدت هذه النظرة إلى ترسيخ فكرة أن الوجود الأهم والوحيد في تلك الفترة كان هو "الوجود الإسرائيلي"، بينما تم تهميش كل ما سواه


الخيط الرفيع وإسكات الأغلبية

النتيجة الحتمية لتركيز الدراسات التوراتية على البحث عن نموذجها المُتخيَّل لإسرائيل القديمة هي عملية تجريد منهجي للتاريخ الذي سبقها وعاصرها. يصف وايتلام الوجود الإسرائيلي القديم، استناداً إلى السجل الأثري، بأنه لم يكن سوى "خيط رفيع في نسيج التاريخ الفلسطيني الغني". هذا النسيج كان مكوناً من حضارات عريقة مثل الكنعانيين ووجود شعوب أخرى، لكن الأكاديميا الغربية تجاهلت هذا الثراء لـِصالح تكبير حجم الخيط الإسرائيلي الوحيد.

إن هذا التهميش لم يكن مجرد إغفال أكاديمي، بل هو إنكار للمكان والزمان على شعب المنطقة الأصلي. فبمجرد تبني السرد الذي يجعل من فلسطين مجرد "مسرح" للأحداث التوراتية الإسرائيلية، يتم تلقائياً حرمان السكان الأصليين من حقهم في وجود ماضٍ خاص بهم على أرضهم. يصبح تاريخ المنطقة بأكملها هو تاريخ البحث عن إسرائيل، وتصبح الحضارات الكنعانية وغيرها مجرد خلفية صامتة تنتظر وصول البطل التوراتي. وبذلك، تشارك هذه الدراسات، دون قصد أو بقصد، في نزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني المعاصر، حيث يتم ربط الهوية السياسية الحالية مباشرة بـ "الماضي المُخترَع" وتحويل الصراع من صراع على الأرض إلى صراع على أحقية الرواية التاريخية. لقد أثبت وايتلام أن تجريد الفلسطيني من أرضه هو امتداد لتجريده من ماضيه

دعوة إلى التحرر المعرفي: استعادة التاريخ الفلسطيني

إن كتاب "اختلاق إسرائيل القديمة" ليس مجرد جدال تاريخي حول عصور غابرة؛ إنه دعوة جريئة لإعادة النظر في الأسس المعرفية التي بُنيت عليها الأكاديميا الغربية لهذا الجزء من العالم. بعد أن فكك وايتلام تحيزات الدراسات التوراتية ونتائجها التي أدت إلى تهميش تاريخ المنطقة الأصلي، يقدم خلاصته الجوهرية: ضرورة تحرير التاريخ الفلسطيني القديم ليصبح حقلاً أكاديمياً مستقلاً بذاته، غير مرهون بمنهج يخدم أجندات دينية أو سياسية خارجية.

المعركة التي يطرحها الكتاب هي معركة على الهوية والشرعية. إن إثبات وجود ماضٍ فلسطيني غني ومتواصل، بعيداً عن كونه مجرد هامش في القصة التوراتية، هو خطوة حاسمة نحو استعادة الفلسطينيين لأحقيتهم التاريخية والمعاصرة. وهكذا، ينجح وايتلام في تعرية كيف يمكن للقوة المعرفية أن تتحول إلى أداة للهيمنة، مؤكداً أن التاريخ، متى سُيِّس، يتحول إلى أداة تشريد. وتبقى رسالة الكتاب خالدة: لا يمكن للنزاهة الأكاديمية أن تتحقق إلا عندما يتم منح جميع .شعوب المنطقة حقهم الكامل وغير المشروط في امتلاك ورواية ماضيهم.

.

.

.



الجمعة، 27 أكتوبر 2023

رجال في الشمس

  

لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟

لم يدق الثلاثة رجال جدران الخزان لأن كابوس الموت أهون من موت الحلم.

رجال في الشمس هي الرواية الأولي للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، صدرت عام 1963 في بيروت. الرواية هي العمل الأقوى الذي يصف تأثيرات النكبة سنة 1948 على الشعب الفلسطيني من خلال أربعة نماذج من أجيال مختلفة، قدمت الرواية الفلسطيني في صورة اللاجئ وهي الصورة التي طورها غسان كنفاني في روايتين تاليتين وهي "ما تبقي لكم" حيث قدم الفلسطيني هنا في صورة الفدائي، ورواية "عائد إلي حيفا" حيث قدم الفلسطيني في صورة الثائر، متمشيًا بذلك مع تطور صورة القضية الفلسطينية ذاتها.


الأول شخصية أبو قيس:

هو أول الشخصيات التي تعرضها الرواية، رجل فقد بيته وشجرات الزيتون التي يملكها وأصبح يعيش مع زوجته الحامل وابنه الصغير في المخيمات، لا يجرؤ على التفكير في السفر للكويت حيث سافر الكثيرون وعادوا بالأموال التي حققوا بها أحلامهم الخاصة، أبو قيس شخصية شديدة الارتباط بالوطن والأرض، يحلم بانتهاء الكابوس والعودة؛ لكنه لا يعرف كيف تحدث هذه العودة بعد ضياع كل شيء. أبو قيس رجل عجوز يخرج مضطرًا ولا يأمل كثيرًا في النجاح او حتى العودة ظافرًا. لكنه في النهاية استجاب إلى الضغط الذي مارسه عليه أحد العائدين من الكويت. فيودع زوجته وابنه ويسافر الي العراق محاولًا ان يجد فرصه للهرب عبر الحدود من العراق الي الكويت ليحصل على النقود التي يبني بها بيتًا ويزرع أشجار زيتون جديدة.

أسعد

شاب مناضل تطارده السلطات بسبب نشاطه السياسي، لكنه يحاول الهرب الي العراق بمساعدة أحد اصدقاء والده القدامى ذلك الصديق الذي يسلبه عشرين دينارًا ويتركه في منتصف الطريق واعدًا إياه أن يقابله بعد نقطة التفتيش، ولا يفي بوعده، فيفقد أسعد ثقته في البشر جميعًا، لكنه يستطيع الوصول الي العراق في النهاية مصممًا على عبور الحدود الي الكويت ليكون ثروة ويتزوج ابنة عمه التي لا يحبها ولكنها خُطبت له يوم مولدهما.

مروان

وهو فتي في المرحلة الثانوية يبلغ 16 عام يضطر لترك المدرسة والذهاب إلى البصرة ليدخل منها إلى الكويت بمساعدة المهربين حتى يعمل وينفق على أمه وإخوته الصغار. أخُ مروان يعمل بالكويت، وكان يرسل إلى الأسرة ما يكفيها، لكنه تزوج وتوقف عن إرسال نقود، بل أرسل رسالة إلى مروان يقول له فيها: لا أعرف معنى أن أظل أنا أعمل وأنفق على الأسرة بينما تذهب أنت إلى المدرسة السخيفة التي لا تعلّم شيئا، فترك المدرسة. أما أباه فقد ترك عائلته وتزوج امرأة معاقة فقدت ساقها بسبب قنبلة في غارة يهودية، لديها بيت جميل بسبب توقف النقود؛ لأنها تملك دارًا من ثلاث حجرات بسقف إسمنتي، فيهرب بذلك من مسؤولية أسرته، ويحقق حلمه بالحياة في بيت له سقف بدلاً من خيام اللاجئين، ويؤجر حجرتين ويسكن هو وزوجته الجديدة في الحجرة الثالثة، ولكنه لم يكن يعلم بأن العائلة تريد التخلص من المعاناة أثناء الاعتناء بها..

أبو الخيزران

رفض الثلاثة التعامل مع المهرب المحترف الذي يصر على أخذ خمسة عشر دينارًا مقدمًا من كل فرد؛ لأنهم يعرفون أن الدليل يمكن أن يتركهم في منتصف الطريق ويهرب.

ويلتقون بالشخصية الرئيسية الرابعة في الرواية «أبو الخيزران»، وهو مهرب يعمل مع تاجر كويتي كبير اسمه «الحاج رضا»، يقبل «أبو الخيزران» أن يهربهم مقابل عشرة دنانير من كل منهم بعد الوصول إلى الكويت (ويعقد اتفاقا سريا مع مروان على أن يأخذ منه خمسة دنانير) في سيارة الحاج رضا التي لا تفتش لأن جميع رجال الحدود يعرفونها ويعرفون الحاج رضا، وهم أصدقاء للسائق نفسه.

أبو الخيزران سائق ماهر، عمل في الجيش البريطاني، وعمل مع الفدائيين فأصيب بقنبلة أفقدته رجولته وأعطته كل مرارة العالم، فكره نفسه، وجعل كل طموحه في تكوين ثروة يعيش بها في هدوء وسكون بعد عمر من الحركة التي لا تهدأ، كان يشعر أنه فقد أهم شيء في حياة الرجل من أجل الوطن، لكن الوطن لم يرجع، ورجولته فقدت إلى الأبد.

أما السيارة فهي سيارة نقل مياه قديمة متهالكة وبها خزان ضخم فارغ هو ما سيختفي فيه أبطال الرواية الثلاثة ليعبروا نقطتي الحدود العراقية والكويتية

الرحلة الرهيبة:

يقدم غسان كنفاني شخصية «أبو الخيزران» كنموذج للقيادة الانتهازية التي تدعي التفكير في المجموع في حين أنها تسعى إلى مصالحها الشخصية مهما تأذى الآخرون أو أضيروا..

يتفق «أبو الخيزران» مع الثلاثة أن يبقى اثنان فوق الخزان ويجلس معه الثالث، وهكذا بالتبادل طوال الطريق في صحراء ترسل شمسها شواظًا من لهيب قاتل، وقبل أن يصلوا إلى نقطة الحدود بخمسين مترًا يدخلون الخزان، وعليه أن ينهي الإجراءات فيما لا يزيد على سبع دقائق ثم يسرع بالسيارة ليخرجهم من الخزان بعد 50 مترًا من نقطة الحدود.

الأكذوبة والموت

تنجح الخطة في نقطة الحدود العراقية، يختبئون في الخزان، يكادون يختنقون، لكن الأمر رغم الجهد يمر بسلام، وعند الاقتراب من نقطة الحدود الكويتية يستعدون لأخذ ما يسميه «أبو الخيزران» بالحمام التركي، ويطلقون عليه جهنم، لكن موظفا عابثا يعطل «أبو الخيزران» ويصر أن يحكي له السائق حكايته مع الراقصة العراقية «كوكب» التي تحبه لدرجة العبادة بسبب فحولته كما حكى له الحاج رضا. ورغم المفارقة المؤلمة في الحكاية الخيالية فإن تلك الأكذوبة تكون السبب في موت الثلاثة اختناقا في خزان المياه بسبب تأخر «أبو الخيزران» عليهم.







الخميس، 26 أكتوبر 2023

أكله الذئب

فلسطين في قضيتها المشروعة التي سبقت عام النكبة بأكثر من ثلاثين عام منذ أن اتجهت لها نظر الذئب الذي قرر أن يسلبها من أصحابها عُنوة. فكافح أصحاب هذه الأرض كفاح طويل ومرير. أمتلئت ذاكرة تلك الأمة بالعديد من الأبطال، والمناضلين الذين قاتلوا في شتي الميادين تارة في ميدان القتال والسياسة كالصف الأول من زعماء المقاومة. وآخرين في الفن والأدب؛ لكن ناجي العلي قاتل بريشته منذ أن كان صبيًا في السابعة ترك وطنه حاملًا في قلبه ألم النكبة التي طالت الشعوب العربية جمعاء إلي مخيم عين الحلوة في لبنان يمكث في خيمة يرسم علي حائطها وقماشها، إلي أن مات مغتالًا مغدورًا في لندن وهو يحمل بين يديه لوحته الأخيرة

فتتلخص سيرته في أنه كان قاض عينه الفقراء والمشردين للتحقيق في قضايا البلاد والعباد نيابة عنهم. وهو هنا يذكرنا بقاضي التحقيقات الأمريكي كينيث ستار في فضيحة مونيكا - كلينتون، فالعلي كان محققًا ينشر صباح كل يوم تحقيقاته في صفحات الكُتب باللون الأسود والأبيض (وهذان اللونين الذي أستخدمهما العلي طِيلة حياته الفنية في رسوماته)

وانتهي بالتحقيق في فضيحة رشيدة مهران وعلاقتها بكبار زعماء منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1987، ونشر هذا التحقيق على شكل كاريكاتير طال مئات الصفحات. كذلك فعل القاضي ستار الذي نشر نتيجة تحقيقه في أكثر من أربعمائة صفحة، وقرأها مئات الملايين من الناس على شاشات الإنترنت.

فأين ناجي العلي الآن؟ وأين كينيث ستار؟ إن هذين الموقفين يلخصان مأساة ناجي العلي، ومأساة الأمة التي انتمى إليها ...مأساته أنه عاش في أمة مازالت تفكر وتحكم وتتصرف وتعيش في مضارب خيام الماضي البعيد، رغم ما يحيط بها من قشور ومظاهر الحياة الحديثة. وامتطي ريشة ميادين سباقها المليئة بالألغاز والحفر والمطبات والمصائد، ورغم كل هذا فعل ما فعل. ومن هنا جاءت فرادة العلي وندرته الفنية التي لم نشهد لها مثيلًا سابقًا في الثقافة العربية ولا حتى في القضايا العربية.

هذا هو ناجي العلي الذي يروي شاكر النابلسي سيرته ومسيرته الفنية الكاريكاتورية السياسية الاجتماعية بصدق وأمانة وذلك في اسلوب ابتعد عن سمة التقرير والمباشرة واعتمد قوالب تعبيرية جديدة.

هذا الكتاب يمكن اعتباره من أهم الكتب التي تصف قضية فلسطين العادلة في شخص العلي الفنان الذي لم يحمل سلاح طِيلة حياته بل أجاد حمل الريشة بين أصابعه يعبر عن ضمير الأمة العربية وعن مشاكل فلسطين وشعب فلسطين. كانت قضيته عادلة أيضًا كقضية وطنه؛ لكن كل ما هو عادل في هذه الأمه يُواجه إما بالخيانة وإما بالرصاص.




 

دقّ جدران الخزان: الرواية المعاصرة وفلسفة المقاومة في الجنوب العالمي

  يُمثّل المنجز الروائي المعاصر في مجتمعات الجنوب العالمي، أو ما تعارف السوسيولوجيون على تسميته بـ "العالم الثالث"، ظاهرة جمالية و...