الجمعة، 3 أكتوبر 2025

عندما يصبح التاريخ مُسَيَّساً: كيث وايتلام يكشف اختراع الدولة القومية في فلسطين القديمة

 

المدخل: صراع الروايات وتهميش الأصل

في كل صراع سياسي عويص، غالباً ما تكون ساحة المعركة الحقيقية هي التاريخ. فليست القضية دائماً مجرد اقتسام الأرض، بل هي في الأساس صراع الروايات على أحقية الماضي وشرعية الوجود. ضمن هذا السياق المعرفي المضطرب، يبرز كتاب "اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني" (1996) للأكاديمي البريطاني كيث وايتلام كوثيقة نقدية تفكيكية من الدرجة الأولى. لا يقدم وايتلام هنا سرداً جديداً لأحداث الماضي، بل يوجه عدسة مكبرة نحو منهج كتابة هذا التاريخ، كاشفاً عن تحيزات عميقة ومستترة في صلب الدراسات التوراتية الغربية. فقد جزم وايتلام بأن هذه المدرسة الأكاديمية لم تكن حيادية، بل شاركت فعلياً في عملية "اختراع" نموذج مصطنع لإسرائيل القديمة على هيئة الدولة القومية الحديثة، وهو اختراع أسفرت نتائجه الجانبية عن إقصاء منهجي للتاريخ الفلسطيني القديم برمته. وهو ما دفع المفكر الراحل إدوارد سعيد إلى وصفه بأنه "عمل أكاديمي من الطراز الأول"، مؤكداً بذلك على أهميته ليس فقط في حقل الدراسات الدينية، بل في كشف العلاقة المعقدة بين السلطة، والمعرفة، والاستعمار. تهدف هذه المقالة إلى تحليل الأطروحة المركزية لوايتلام، لبيان كيف تحول البحث عن ماضٍ مزعوم إلى أداة لإنكار حاضر حقيقي


مأزق الأكاديميا الغربية: ولادة "إسرائيل القومية"

ينتقل وايتلام بالقارئ إلى قلب التحليل المنهجي، حيث يكشف كيف أن هيمنة الدراسات التوراتية في أوروبا وأمريكا الشمالية لم تكن مجرد مدرسة تفسيرية، بل كانت عملية اختراع ممنهج لتاريخ يخدم رواية معينة. يجادل الكتاب بأن الباحثين الغربيين، مدفوعين بالإرث اللاهوتي والروح القومية التي سادت أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين، قاموا بإسقاط نموذج الدولة القومية الحديثة على المنطقة القديمة. هذا الإسقاط خلق كياناً مُتخيلاً هو "إسرائيل القديمة"؛ دولة موحدة مركزية، ذات حدود واضحة وعاصمة مهيمنة (القدس)، وهو تصور يشبه تماماً الدول التي كانت تبنى في الغرب.

هذا التحيز يكمن في الافتراض المسبق بأن النص التوراتي هو المرجعية الأساسية والوحيدة للبحث التاريخي في فلسطين القديمة. وبدلاً من أن يكون علم الآثار دليلاً مستقلاً، أصبح خادماً للرواية التوراتية، حيث تُفسَّر الاكتشافات الأثرية—حتى الصامتة منها أو المتناقضة—بشكل قسري لتؤكد أحداثاً وشخصيات مذكورة في الكتاب المقدس. في هذا الإطار، يرى وايتلام أن هذه العملية لم تكن سوى امتداد لـ الخطاب الاستشراقي الذي حلله إدوارد سعيد، حيث يُجرَّد السكان الأصليون للمنطقة من حقهم في تفسير ماضيهم أو حتى امتلاك تاريخ خاص بهم، ليصبح تاريخهم تحت رحمة التفسيرات الغربية الموجهة. لقد أدت هذه النظرة إلى ترسيخ فكرة أن الوجود الأهم والوحيد في تلك الفترة كان هو "الوجود الإسرائيلي"، بينما تم تهميش كل ما سواه


الخيط الرفيع وإسكات الأغلبية

النتيجة الحتمية لتركيز الدراسات التوراتية على البحث عن نموذجها المُتخيَّل لإسرائيل القديمة هي عملية تجريد منهجي للتاريخ الذي سبقها وعاصرها. يصف وايتلام الوجود الإسرائيلي القديم، استناداً إلى السجل الأثري، بأنه لم يكن سوى "خيط رفيع في نسيج التاريخ الفلسطيني الغني". هذا النسيج كان مكوناً من حضارات عريقة مثل الكنعانيين ووجود شعوب أخرى، لكن الأكاديميا الغربية تجاهلت هذا الثراء لـِصالح تكبير حجم الخيط الإسرائيلي الوحيد.

إن هذا التهميش لم يكن مجرد إغفال أكاديمي، بل هو إنكار للمكان والزمان على شعب المنطقة الأصلي. فبمجرد تبني السرد الذي يجعل من فلسطين مجرد "مسرح" للأحداث التوراتية الإسرائيلية، يتم تلقائياً حرمان السكان الأصليين من حقهم في وجود ماضٍ خاص بهم على أرضهم. يصبح تاريخ المنطقة بأكملها هو تاريخ البحث عن إسرائيل، وتصبح الحضارات الكنعانية وغيرها مجرد خلفية صامتة تنتظر وصول البطل التوراتي. وبذلك، تشارك هذه الدراسات، دون قصد أو بقصد، في نزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني المعاصر، حيث يتم ربط الهوية السياسية الحالية مباشرة بـ "الماضي المُخترَع" وتحويل الصراع من صراع على الأرض إلى صراع على أحقية الرواية التاريخية. لقد أثبت وايتلام أن تجريد الفلسطيني من أرضه هو امتداد لتجريده من ماضيه

دعوة إلى التحرر المعرفي: استعادة التاريخ الفلسطيني

إن كتاب "اختلاق إسرائيل القديمة" ليس مجرد جدال تاريخي حول عصور غابرة؛ إنه دعوة جريئة لإعادة النظر في الأسس المعرفية التي بُنيت عليها الأكاديميا الغربية لهذا الجزء من العالم. بعد أن فكك وايتلام تحيزات الدراسات التوراتية ونتائجها التي أدت إلى تهميش تاريخ المنطقة الأصلي، يقدم خلاصته الجوهرية: ضرورة تحرير التاريخ الفلسطيني القديم ليصبح حقلاً أكاديمياً مستقلاً بذاته، غير مرهون بمنهج يخدم أجندات دينية أو سياسية خارجية.

المعركة التي يطرحها الكتاب هي معركة على الهوية والشرعية. إن إثبات وجود ماضٍ فلسطيني غني ومتواصل، بعيداً عن كونه مجرد هامش في القصة التوراتية، هو خطوة حاسمة نحو استعادة الفلسطينيين لأحقيتهم التاريخية والمعاصرة. وهكذا، ينجح وايتلام في تعرية كيف يمكن للقوة المعرفية أن تتحول إلى أداة للهيمنة، مؤكداً أن التاريخ، متى سُيِّس، يتحول إلى أداة تشريد. وتبقى رسالة الكتاب خالدة: لا يمكن للنزاهة الأكاديمية أن تتحقق إلا عندما يتم منح جميع .شعوب المنطقة حقهم الكامل وغير المشروط في امتلاك ورواية ماضيهم.

.

.

.



دقّ جدران الخزان: الرواية المعاصرة وفلسفة المقاومة في الجنوب العالمي

  يُمثّل المنجز الروائي المعاصر في مجتمعات الجنوب العالمي، أو ما تعارف السوسيولوجيون على تسميته بـ "العالم الثالث"، ظاهرة جمالية و...