الجمعة، 27 أكتوبر 2023

رجال في الشمس

  

لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟

لم يدق الثلاثة رجال جدران الخزان لأن كابوس الموت أهون من موت الحلم.

رجال في الشمس هي الرواية الأولي للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، صدرت عام 1963 في بيروت. الرواية هي العمل الأقوى الذي يصف تأثيرات النكبة سنة 1948 على الشعب الفلسطيني من خلال أربعة نماذج من أجيال مختلفة، قدمت الرواية الفلسطيني في صورة اللاجئ وهي الصورة التي طورها غسان كنفاني في روايتين تاليتين وهي "ما تبقي لكم" حيث قدم الفلسطيني هنا في صورة الفدائي، ورواية "عائد إلي حيفا" حيث قدم الفلسطيني في صورة الثائر، متمشيًا بذلك مع تطور صورة القضية الفلسطينية ذاتها.


الأول شخصية أبو قيس:

هو أول الشخصيات التي تعرضها الرواية، رجل فقد بيته وشجرات الزيتون التي يملكها وأصبح يعيش مع زوجته الحامل وابنه الصغير في المخيمات، لا يجرؤ على التفكير في السفر للكويت حيث سافر الكثيرون وعادوا بالأموال التي حققوا بها أحلامهم الخاصة، أبو قيس شخصية شديدة الارتباط بالوطن والأرض، يحلم بانتهاء الكابوس والعودة؛ لكنه لا يعرف كيف تحدث هذه العودة بعد ضياع كل شيء. أبو قيس رجل عجوز يخرج مضطرًا ولا يأمل كثيرًا في النجاح او حتى العودة ظافرًا. لكنه في النهاية استجاب إلى الضغط الذي مارسه عليه أحد العائدين من الكويت. فيودع زوجته وابنه ويسافر الي العراق محاولًا ان يجد فرصه للهرب عبر الحدود من العراق الي الكويت ليحصل على النقود التي يبني بها بيتًا ويزرع أشجار زيتون جديدة.

أسعد

شاب مناضل تطارده السلطات بسبب نشاطه السياسي، لكنه يحاول الهرب الي العراق بمساعدة أحد اصدقاء والده القدامى ذلك الصديق الذي يسلبه عشرين دينارًا ويتركه في منتصف الطريق واعدًا إياه أن يقابله بعد نقطة التفتيش، ولا يفي بوعده، فيفقد أسعد ثقته في البشر جميعًا، لكنه يستطيع الوصول الي العراق في النهاية مصممًا على عبور الحدود الي الكويت ليكون ثروة ويتزوج ابنة عمه التي لا يحبها ولكنها خُطبت له يوم مولدهما.

مروان

وهو فتي في المرحلة الثانوية يبلغ 16 عام يضطر لترك المدرسة والذهاب إلى البصرة ليدخل منها إلى الكويت بمساعدة المهربين حتى يعمل وينفق على أمه وإخوته الصغار. أخُ مروان يعمل بالكويت، وكان يرسل إلى الأسرة ما يكفيها، لكنه تزوج وتوقف عن إرسال نقود، بل أرسل رسالة إلى مروان يقول له فيها: لا أعرف معنى أن أظل أنا أعمل وأنفق على الأسرة بينما تذهب أنت إلى المدرسة السخيفة التي لا تعلّم شيئا، فترك المدرسة. أما أباه فقد ترك عائلته وتزوج امرأة معاقة فقدت ساقها بسبب قنبلة في غارة يهودية، لديها بيت جميل بسبب توقف النقود؛ لأنها تملك دارًا من ثلاث حجرات بسقف إسمنتي، فيهرب بذلك من مسؤولية أسرته، ويحقق حلمه بالحياة في بيت له سقف بدلاً من خيام اللاجئين، ويؤجر حجرتين ويسكن هو وزوجته الجديدة في الحجرة الثالثة، ولكنه لم يكن يعلم بأن العائلة تريد التخلص من المعاناة أثناء الاعتناء بها..

أبو الخيزران

رفض الثلاثة التعامل مع المهرب المحترف الذي يصر على أخذ خمسة عشر دينارًا مقدمًا من كل فرد؛ لأنهم يعرفون أن الدليل يمكن أن يتركهم في منتصف الطريق ويهرب.

ويلتقون بالشخصية الرئيسية الرابعة في الرواية «أبو الخيزران»، وهو مهرب يعمل مع تاجر كويتي كبير اسمه «الحاج رضا»، يقبل «أبو الخيزران» أن يهربهم مقابل عشرة دنانير من كل منهم بعد الوصول إلى الكويت (ويعقد اتفاقا سريا مع مروان على أن يأخذ منه خمسة دنانير) في سيارة الحاج رضا التي لا تفتش لأن جميع رجال الحدود يعرفونها ويعرفون الحاج رضا، وهم أصدقاء للسائق نفسه.

أبو الخيزران سائق ماهر، عمل في الجيش البريطاني، وعمل مع الفدائيين فأصيب بقنبلة أفقدته رجولته وأعطته كل مرارة العالم، فكره نفسه، وجعل كل طموحه في تكوين ثروة يعيش بها في هدوء وسكون بعد عمر من الحركة التي لا تهدأ، كان يشعر أنه فقد أهم شيء في حياة الرجل من أجل الوطن، لكن الوطن لم يرجع، ورجولته فقدت إلى الأبد.

أما السيارة فهي سيارة نقل مياه قديمة متهالكة وبها خزان ضخم فارغ هو ما سيختفي فيه أبطال الرواية الثلاثة ليعبروا نقطتي الحدود العراقية والكويتية

الرحلة الرهيبة:

يقدم غسان كنفاني شخصية «أبو الخيزران» كنموذج للقيادة الانتهازية التي تدعي التفكير في المجموع في حين أنها تسعى إلى مصالحها الشخصية مهما تأذى الآخرون أو أضيروا..

يتفق «أبو الخيزران» مع الثلاثة أن يبقى اثنان فوق الخزان ويجلس معه الثالث، وهكذا بالتبادل طوال الطريق في صحراء ترسل شمسها شواظًا من لهيب قاتل، وقبل أن يصلوا إلى نقطة الحدود بخمسين مترًا يدخلون الخزان، وعليه أن ينهي الإجراءات فيما لا يزيد على سبع دقائق ثم يسرع بالسيارة ليخرجهم من الخزان بعد 50 مترًا من نقطة الحدود.

الأكذوبة والموت

تنجح الخطة في نقطة الحدود العراقية، يختبئون في الخزان، يكادون يختنقون، لكن الأمر رغم الجهد يمر بسلام، وعند الاقتراب من نقطة الحدود الكويتية يستعدون لأخذ ما يسميه «أبو الخيزران» بالحمام التركي، ويطلقون عليه جهنم، لكن موظفا عابثا يعطل «أبو الخيزران» ويصر أن يحكي له السائق حكايته مع الراقصة العراقية «كوكب» التي تحبه لدرجة العبادة بسبب فحولته كما حكى له الحاج رضا. ورغم المفارقة المؤلمة في الحكاية الخيالية فإن تلك الأكذوبة تكون السبب في موت الثلاثة اختناقا في خزان المياه بسبب تأخر «أبو الخيزران» عليهم.







الخميس، 26 أكتوبر 2023

أكله الذئب

فلسطين في قضيتها المشروعة التي سبقت عام النكبة بأكثر من ثلاثين عام منذ أن اتجهت لها نظر الذئب الذي قرر أن يسلبها من أصحابها عُنوة. فكافح أصحاب هذه الأرض كفاح طويل ومرير. أمتلئت ذاكرة تلك الأمة بالعديد من الأبطال، والمناضلين الذين قاتلوا في شتي الميادين تارة في ميدان القتال والسياسة كالصف الأول من زعماء المقاومة. وآخرين في الفن والأدب؛ لكن ناجي العلي قاتل بريشته منذ أن كان صبيًا في السابعة ترك وطنه حاملًا في قلبه ألم النكبة التي طالت الشعوب العربية جمعاء إلي مخيم عين الحلوة في لبنان يمكث في خيمة يرسم علي حائطها وقماشها، إلي أن مات مغتالًا مغدورًا في لندن وهو يحمل بين يديه لوحته الأخيرة

فتتلخص سيرته في أنه كان قاض عينه الفقراء والمشردين للتحقيق في قضايا البلاد والعباد نيابة عنهم. وهو هنا يذكرنا بقاضي التحقيقات الأمريكي كينيث ستار في فضيحة مونيكا - كلينتون، فالعلي كان محققًا ينشر صباح كل يوم تحقيقاته في صفحات الكُتب باللون الأسود والأبيض (وهذان اللونين الذي أستخدمهما العلي طِيلة حياته الفنية في رسوماته)

وانتهي بالتحقيق في فضيحة رشيدة مهران وعلاقتها بكبار زعماء منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1987، ونشر هذا التحقيق على شكل كاريكاتير طال مئات الصفحات. كذلك فعل القاضي ستار الذي نشر نتيجة تحقيقه في أكثر من أربعمائة صفحة، وقرأها مئات الملايين من الناس على شاشات الإنترنت.

فأين ناجي العلي الآن؟ وأين كينيث ستار؟ إن هذين الموقفين يلخصان مأساة ناجي العلي، ومأساة الأمة التي انتمى إليها ...مأساته أنه عاش في أمة مازالت تفكر وتحكم وتتصرف وتعيش في مضارب خيام الماضي البعيد، رغم ما يحيط بها من قشور ومظاهر الحياة الحديثة. وامتطي ريشة ميادين سباقها المليئة بالألغاز والحفر والمطبات والمصائد، ورغم كل هذا فعل ما فعل. ومن هنا جاءت فرادة العلي وندرته الفنية التي لم نشهد لها مثيلًا سابقًا في الثقافة العربية ولا حتى في القضايا العربية.

هذا هو ناجي العلي الذي يروي شاكر النابلسي سيرته ومسيرته الفنية الكاريكاتورية السياسية الاجتماعية بصدق وأمانة وذلك في اسلوب ابتعد عن سمة التقرير والمباشرة واعتمد قوالب تعبيرية جديدة.

هذا الكتاب يمكن اعتباره من أهم الكتب التي تصف قضية فلسطين العادلة في شخص العلي الفنان الذي لم يحمل سلاح طِيلة حياته بل أجاد حمل الريشة بين أصابعه يعبر عن ضمير الأمة العربية وعن مشاكل فلسطين وشعب فلسطين. كانت قضيته عادلة أيضًا كقضية وطنه؛ لكن كل ما هو عادل في هذه الأمه يُواجه إما بالخيانة وإما بالرصاص.




 

دقّ جدران الخزان: الرواية المعاصرة وفلسفة المقاومة في الجنوب العالمي

  يُمثّل المنجز الروائي المعاصر في مجتمعات الجنوب العالمي، أو ما تعارف السوسيولوجيون على تسميته بـ "العالم الثالث"، ظاهرة جمالية و...