الثلاثاء، 21 أبريل 2026

سيكولوجية الانكسار: لماذا يغازل العقل الجمعي "ظلال" المستبد؟

 

توطئة: في مديح القيد القديم

تبدأ الحكاية دائماً من لحظة "ارتباك" في الحاضر. حين تتعثر خطى المجتمعات الرجعية في التحول نحو الديمقراطية، أو حين تضرب الأزمات الاقتصادية بعنف، يرتد العقل الجمعي إلى الخلف في حركة لاإرادية، باحثاً عن "مركز ثقل" مفقود. هذه الحالة ليست مجرد حنين عاطفي لزمن جميل، بل هي ظاهرة سياسية واجتماعية تُعرف بـ "أوتوقراطية النوستالجيا". إنها محاولة للهرب من مسؤولية الحرية الثقيلة إلى كنف "الرجل القوي" الذي يختصر الوطن في شخصه، والمستقبل في قراره.

في هذا المقال، سنحاول تفكيك هذه الظاهرة، ليس بوصفها "مرضاً شرق أوسطياً"، بل كظاهرة إنسانية عالمية تحكمها قوانين الذاكرة، وقلق الوجود، وفشل الوعود السياسية.


المحطة الأولى: "أو ستالجي" (Ostalgie) وسراب الأمان الاجتماعي

لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون النظر إليها عبر عدسة عالمية تتجاوز الجغرافيا. في ألمانيا بعد سقوط الجدار، صكّ الباحثون مصطلح "Ostalgie" (مشتق من كلمة "Ost" وتعني شرق) لوصف حنين سكان ألمانيا الشرقية للحياة الشيوعية السابقة.

هؤلاء لم يكونوا يحنون لـ "جهاز الاستخبارات" (ستازي) أو تكميم الأفواه، بل كانوا يحنون لما أسموه "يقين العيش". في الأنظمة الديكتاتورية، هناك عقد اجتماعي غير مكتوب: "تنازل عن لسانك، وأعطيك رغيفاً ووظيفة مضمونة". عندما سقطت هذه الأنظمة، واجه الناس وحش الرأسمالية والمنافسة الشرسة والبطالة، فشعروا بـ "اليتم السياسي". هذا ما يفسر لماذا يرفع الروس اليوم صور ستالين في الميادين، ولماذا يترحم البعض في رومانيا على عهد تشاوشيسكو؛ إنها المقارنة الموجعة بين "ذل الحاجة" في ظل الحرية، و"عزة الكفاف" في ظل القمع.

المحطة الثانية: سيكولوجية "الرجل القوي" كحاجة بيولوجية

يذهب علم الاجتماع السياسي إلى أن الإنسان في لحظات الخطر يميل غريزياً إلى "التبسيط". الديمقراطية نظام معقد، يعتمد على المؤسسات، تداول السلطة، وبطء الإجراءات. أما الديكتاتورية فهي "السهل الممتنع" سياسياً؛ قائد واحد، عدو واحد، وحل واحد.

أدبياً، يمكن تشبيه العلاقة بين الشعب والديكتاتور بعلاقة "المريد بالشيخ" أو "الابن بالأب الصارم". هناك سكينة نفسية في إلقاء عبء التفكير والقرار على كاهل شخص آخر. المقالات الأجنبية التي تتناول "The Strongman Appeal" تؤكد أن الجماهير لا تنجذب للمستبد لأنه "شرير"، بل لأن صوته العالي يمنحهم وهماً بالسيطرة في عالم خارج عن السيطرة. إنها الرغبة في العودة إلى "حضن الأب" هرباً من "قسوة العالم" الذي يتطلب منا أن نقرر مصيرنا بأنفسنا.

المحطة الثالثة: الذاكرة الانتقائية وفخ "الاسترجاع الوردي"

لماذا ننسى السجون ونتذكر الشوارع النظيفة؟ يفسر علم النفس المعرفي ذلك بظاهرة "Rosy Retrospection". العقل البشري يعمل كـ "ممنتج" سينمائي محترف؛ يقص المشاهد المؤلمة ويحتفظ بالمشاهد التي تمنحه الراحة النفسية.

في منطقتنا، تلعب هذه الذاكرة دوراً خطيراً. يتم اختزال حقبة كاملة في "ثبات سعر الصرف" أو "هيبة الدولة"، مع تغييب كامل للثمن الباهظ الذي دُفع من كرامة الإنسان وتجريف المؤسسات. النوستالجيا هنا لا تخدم الحقيقة، بل تخدم "الهروب". نحن لا نحِنُّ للماضي كما كان، بل نحِنُّ لنسخة متخيلة منه، نسخة خالية من الوجع الذي جعلنا نثور عليه يوماً ما. إنها تماماً كحنين المريض لجسده قبل الجراحة، متناسياً أن الجراحة كانت حتمية لإنقاذ حياته من السرطان.

المحطة الرابعة: لعنة "السيولة" وفشل النخب الانتقالية

أحد أهم أسباب هذه الظاهرة هو ما يسميه عالم الاجتماع زيجمونت باومان "الحداثة السائلة". عندما لا يجد المواطن في "النظام الجديد" ما يسد رمقه أو يحفظ أمنه الشخصي، تتحول الحرية من "قيمة" إلى "عبء".

فشل النخب الديمقراطية في تقديم بديل اقتصادي سريع وملموس يجعل الناس ينظرون للماضي كـ "عصر ذهبي". وهذا ما يفسر صعود التيارات الشعبوية في الفلبين والبرازيل والمجر؛ حيث يتم استخدام "النوستالجيا" كسلاح سياسي للعودة إلى المربع الأول، مع إيهام الناس أن "الانضباط" هو الحل الوحيد للفوضى. الإنسان، حين يضطر للمفاضلة بين "صندوق الانتخاب" و"صندوق الطعام"، سيميل غالباً للأخير، خاصة إذا لم يتذوق طعم العدالة في الخيار الأول.

المحطة الخامسة: أزمة "المواطن المستلَب" في الأدب والفلسفة

إذا تأملنا فلسفة "سبينوزا" أو كتابات "إيتيان دي لا بويسييه" عن "العبودية الطوعية"، سنجد أن الإنسان قد يجد لذة في الخضوع إذا كان هذا الخضوع يعفيه من "قلق الحرية". الحرية يا صديقي ليست نزهة، بل هي "عبء" يتطلب وعياً ومسؤولية ومحاسبة مستمرة.

في الأدب، نجد هذا الحنين في الروايات التي تتحدث عن "الزعيم الملهم" الذي سقط، فيبقى الشعب تائهاً يبحث عن "ظله". الديكتاتورية تخلق شعوباً "معاقة سياسياً"، لا تستطيع المشي دون عكاز السلطة. وعندما ينكسر العكاز، يبدأ الصراخ طلباً لعودته، ليس حباً في الخشب، بل خوفاً من السقوط على الأرض.


الخاتمة: الخروج من زجاجة الماضي

إن الحنين للأنظمة الديكتاتورية هو في جوهره "أزمة ثقة في المستقبل". هي صرخة احتجاج ضد واقع مرتبك، وليست رغبة واعية في العيش تحت السياط مرة أخرى. الدرس الذي تعلمنا إياه التجارب العالمية من برلين إلى مانيلا ومن موسكو إلى القاهرة، هو أن "الأمان" الذي يوفره المستبد هو أمان مؤقت وهش، يشبه السكن في بيت مبني على رمال متحركة؛ يبدو ثابتاً وفخماً حتى تأتي أول عاصفة حقيقية.

الطريق إلى الأمام ليس بالبكاء على أطلال "المستبد العادل" -وهو كائن أسطوري لم يوجد قط في التاريخ- بل في بناء ديمقراطيات "لها أنياب"؛ تستطيع تأمين الخبز والكرامة معاً. لكي لا يضطر المواطن للمفاضلة بين معدته ولسانه، علينا أن ندرك أن الحرية بلا عدالة اجتماعية هي "تيه"، والعدالة بلا حرية هي "تسمين" قبل الذبح.

نحن لا نحتاج لـ "رجل قوي" يحكمنا، بل نحتاج لـ "قانون قوي" يحمينا جميعاً، حتى من أنفسنا وحنيننا القاتل لقيودنا القديمة.




قائمة المصادر والمراجع (للتوثيق البحثي):

  1. Dominic Boyer (2006): Ostalgie and the Politics of the Future in Eastern Germany.

  2. Zygmunt Bauman: Liquid Modernity - حول القلق الإنساني في العصر الحديث.

  3. Foreign Affairs Journal: دراسات حول "The Global Rise of Authoritarian Nostalgia".

  4. إيتيان دي لا بويسييه: مقالة في العبودية الطوعية (للبعد الفلسفي).

  5. أبحاث علم النفس السياسي: حول ظاهرة "Rosy Retrospection" وانحياز الذاكرة للماضي.

النهاية...





دقّ جدران الخزان: الرواية المعاصرة وفلسفة المقاومة في الجنوب العالمي

  يُمثّل المنجز الروائي المعاصر في مجتمعات الجنوب العالمي، أو ما تعارف السوسيولوجيون على تسميته بـ "العالم الثالث"، ظاهرة جمالية و...